الشيخ محمد رشيد رضا

196

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ذلك فان أعياه ان يجد شيئا في الكتاب أو السنة نظر هل كان لأبي بكر فيه قضاء فان وجده قضى به فإن لم يجد دعا رؤوس المسلمين وعلماءهم واستشارهم فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به » فليتأمل الفقيه تفرقة أبي بكر بين من يسئل عن الرواية لقضاء النبي ( ص ) وبين من يستشار في وضع حكم جديد أو استنباطه ، فأما الرواية فكان يسأل عنها عامة الناس وأما الاستشارة فكان يجمع لها الرؤوس والعلماء وهم أولو الأمر الذين أمر اللّه تعالى بالرد إليهم . ولم يذكر الراوي ما كان يعمل الخليفتان إذا اختلف أولئك المستشارون في القضية وروى ابن عساكر عن شريح القاضي قال قال لي عمر بن الخطاب ان اقض بما استبان لك من كتاب اللّه فإن لم تعلم كل كتاب اللّه فاقض بما استبان لك من قضاء رسول اللّه ( ص ) فإن لم تعلم كل أقضية رسول اللّه ( ص ) فاقض بما استبان لك من أمر الأئمة المهتدين فإن لم تعلم كل ما قضت به الأئمة فاجتهد رأيك واستشر أهل العلم والصلاح . اه والرواية ضعيفة وفيها من الغرابة لفظ الأئمة ولم يكن وقتئذ أئمة متعددون يعتمد على قضائهم لبنائه على الكتاب والسنة وروى الطبراني في الأوسط وأبو سعيد في القضاء عن عليّ قال قلت يا رسول اللّه إن عرض لي أمر لم ينزل فيه قضاء في أمره ولا سنة كيف تأمرني قال « تجعلونه شورى بين أهل الفقه والعابدين من المؤمنين ولا تقض فيه برأيك خاصة » وتأمل قوله ( ص ) « تجعلونه » والعدل به عن « تجعله » - والخطاب للمفرد - فان فيه ان هذا الجعل من حق جماعة المؤمنين والمراد بالفقه معرفة مقاصد الشريعة وحكمها لا علم أحكام الفروع المعروف فان هذه تسمية محدثة كما بينه الغزالي في الاحياء والحكيم الترمذي والشاطبي وغيرهم . وكان رؤوس المسلمين في ذلك العصر من أهل هذا الفقه غالبا وأما استشارتهم في الأمور الإدارية فمثالها ما ورد في الصحيحين وغيرهما ان عمر خرج إلى الشام حتى إذا كان ( بسرغ ) لقيه أهل الأجناد أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه فأخبروه ان الوباء وقع بالشام . قال ابن عباس فقال عمر ادع لي المهاجرين الأولين فدعوتهم له فاستشارهم وأخبرهم ان الوباء قد وقع بالشام فاختلفوا فقال بعضهم قد خرجت لأمر ولا نرى ان ترجع عنه وقال بعضهم معك بقية الناس